مولي محمد صالح المازندراني

80

شرح أصول الكافي

لكلامك أولاً ( فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) ) توضيحاً للمقصود وتنبيهاً بضعف عقله وسوء تفكره في وصف الباري ( إنما وصفت ) بقولك هو إذا كان في مكان لا يكون في مكان آخر ( المخلوق الذي إذا انتقل عن مكان ) كان مستقراً فيه بالحواية ( اشتغل به مكان ) آخر انتقل إليه ( وخلا منه مكان ) انتقل منه ( فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما يحدث في المكان الذي كان فيه ) لبعده عنه وقصور علمه بالوقايع والحوادث إلا بالحواس ، والحواس لا تدرك إلاّ ما يحضرها ( فأما الله العظيم الشأن ) الشأن الأمر والحال ، والمراد به هنا أوصافه الكاملة ( الملك الديان ) الملك أصناف الموجودات كلها والملك من أسمائه تعالى لأنه مالكها والدين الجزاء والديان من أسمائه تعالى لأنه يدين العباد أي يجزيهم بأعمالهم ( فلا يخلو منه مكان ) ( 1 ) لأنه لا يخلو مكان من علمه لتعلقه بجميع الأشياء وعلمه عين ذاته فلا يخلو منه تعالى مكان ( ولا يشتغل به مكان ) كإشغاله بالجسم المالئ له لاستحالة الجسمية عنه ولأنه قبل حدوث المكان كان بلا مكان فهو أبداً كذلك لا متناع تغيره . وأيضاً : عظمة شأنه على الإطلاق وافتقار جميع ما سواه إليه ينافي افتقاره إلى المكان ( ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان ) أي لا يكون هو بالقياس إلى مكان أقرب منه بالقياس إلى مكان آخر ، والمقصود أن قربه من جميع الأمكنة سواء ، إذ قربه بعلمه الذي لا يغيب عنه شيء فهو بعلمه قريب من الأمكنة كلها قرباً متساوياً لامتناع تحقق الاختلاف والزيادة والنقصان والشدة والضعف في علمه . * الأصل : 4 - علي بن محمد ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن عيسى قال : كتبت إلى أبي الحسن علي بن محمد ( عليه السلام ) : جعلني الله فداك يا سيدي ! قد روي لنا : أن الله في موضع دون موضع على العرش استوى وأنه ينزل كل ليلة في النصف الأخير من الليل إلى السماء الدنيا ، وروي أنه ينزل عشية عرفة ثم يرجع إلى موضعه ، فقال بعض مواليك في ذلك : إذا كان في موضع دون موضع فقد يلاقيه الهواء ويتكنف عليه والهواء جسم رقيق يتكنف على كل شيء بقدره ، فكيف يتكنف عليه جل ثناؤه على هذا المثال ؟ فوقّع ( عليه السلام ) : علم ذلك عنده وهو المقدر له بما هو أحسن تقديراً ، واعلم أنه إذا كان في السماء الدنيا فهو كما هو على العرش ، والأشياء كلها له سواء علماً وقدرة وملكاً وإحاطة .

--> 1 - قوله : « فلا يخلو منه مكان » بيّن الإمام ( عليه السلام ) معنى الموجود المجرد بذكر صفات : الأولى أنه لا يخلو منه مكان ، وهذا الكلام موهم حلوله في كل مكان دفع الوهم بقوله « لا يشتغل به مكان » وهي صفة ثانية وهو كالنفس الناطقة الإنسانية في بدنه لا يخلو منه موضع من البدن ولا يشتغل به مكان من البدن . والصفة الثالثة للمجرد أنه ليس أقرب إلى مكان منه إلى آخر . ( ش )